الاستاذ المتمرن مصطفى علام يقدم تحليلا لمستجدات قضية الأساتذة المتمرنين وحيتيات الترسيب (الفئوي) التعسفي الذي طال العشرات من متزعمي التنسيقيات الجهوية للمملكة

في إحدى التدوينات على الفيس بوك يقول احد الأساتذة المتدربين

رغم أن تزوير الداخلية المفضوح لنتائج مباراة توظيف الأساتذة التي أجرتها وزارة التربية الوطنية لم يفاجئني
كثيرا إلا أن نهجٙ الأسلوب نفسِه الذي تستخدمه الأنظمة المستبدة في وأد ومعاقبة الحركات الشعبية كان مستغربا بغير شك..
فالمخزن المستبد عبر وزارة الداخلية ومخططيها أراد أن يعاقب تنسيقية الأساتذة وحراكهم القوي بالطريقة المعهودة في السنين الأخيرة في التعامل مع الحركات الشعبية في البلدان الإسلامية. وعادةُ الأنظمة في البلدان الإسلامية أن تبدأ مواجهةٙ المحتجين ضدها بعزل الإسلاميين ومعاقبتهم لوحدهم حتى تظهر كأنها في حرب إديولوجية معهم، ثم بعدها يطال انتقامُها الآخرين بعد أن يستقر عند الداخل والخارج أنها في صراع مع الإسلاميين الذين يعاديهم العالم ولا يدعمهم أحد..
بمعنى أن أكثرٙ المقصيين باستثناء أفراد معدودين يجمعهم الانتماء للحركة الإسلامية سواء العدل والإحسان أو التوحيد والإصلاح وكذلك بعض السلفيين الذين ينتقدون النظام وأشباهٙه؛ والباقون إما جرى اختيارهم بشكل عشوائي أو لكونهم من مناضلي الصفوف الأولى أو الثانية، وبعضٌ قليل رُسبوا من قبل لجان الاختبار أو غطت بهم الداخلية على هذا الأمر..
في بداية الحراك حاولت الداخلية كعادتها أن تُظهر أنه موجه من الجماعة التي تتخذ منها عدوا لأسباب معروفة فلا بد من وجود عدو يلقي عليه النظام بعضٙ فشله ومشاكله ويصرف الأنظار إليه في أوقات الاضطرار.. والآن تسعى لتثبت ذلك، والحكمة تقتضي عدم تركها تصل لمبتغاها..
يبدو أن الداخلية تراهن كذلك على دخول العدل والإحسان على الخط ولذلك تم ترويج أن جميع المقصيين ينتمون إليها حتى قبل أن تظهر كل النتائج؛ لو وقع ذلك كانت الداخلية ستتهم الجماعة بتحريك المحتجين وتسييرهم للوصول لأغراض سياسية وتزعم أنها تركب على الملف وهذا ما تريد الوصول إليه منذ البداية.. أما استهداف الجماعة بمنع أبنائها من الوظيفة حتى ينفضوا عنها لاحقا فمستبعد إذ إن بعضهم يستطيعون الدخول حتى للشرطة بالطرق المعروفة. وهم ليسوا ممنوعين من الوظيفة ولا توجد مؤشرات على ذلك وليس له داع ولا يحدث إلا في الجيش والداخلية نفسها..
وإنما أراد المخطط من ذلك ثلاثة أهداف:
1- منع تشكل تنسيقية قوية في وزارة التربية تنوب عن النقابات الضعيفة تذوب فيها الإيديولوجيات المختلفة أو يغلب عليها الإسلاميون المعارضون للنظام أو المنتمون للجماعة وإن لم يكن ذلك هو الواقع حاليا..
2- دفع الجماعة للتدخل والظهور كأنها من يوجه الحراك وتشويه صورة التنسيقية داخليا وخارجيا وشراء صمت الداخل والخارج في حال وصول المنع من التوظيف لأشخاص آخرين في التنسيقية…
3- تصفية التنسيقية من الوجوه الإسلامية المشاركة والتي تحمل فكرا ثوريا ونضاليا وهذا الصنف من الناس تعاديه الأنظمة كلها وتضيق عليه، وإن كان اليسار أقوى منهم في الاحتجاج وأكثر اندفاعا إلا أن الصنف الأول لا تُنتٙقد الأنظمة من الخارج حينما تحاربه وتعاديه .. وبعد ذلك يسهل إحداث صراع بين بقايا العدالة والتنمية واللامنتمين واليساريين داخل التنسيقية وهكذا تنتهي هذه الحركة ولا يصبح لها مستقبل بعد انتهاء القضية الحالية…
ولعل الغرض والدافع الأهم ليس الانتقام فحسب، إذ لو كان كذلك لتم ترسيب آخرين يٙظهرون في الصورة أكثر، وعبر الاختبارات وليس بالصورة الأمنية المفضوحة والمثيرة التي وقعت.. وإنما أحد أهم أعراض ذلك عزلُ الإسلاميين والمنتمين للجماعة منعا من سيطرتهم على أقوى تنسيقية موجودة في الساحة الاحتجاجية في الوقت الراهن وأكثرها تنظيما والتزاما وانضباطا، وليس يُفسِّر إقصاء بعض المغمورين ومٙن ليس لهم غرض القيادة والتزعم إلا العدوانية والحقد في التعامل مع المحتجين والمنتمين لذلك الفكر المستهدف عموما..
والانتقام لم ينته هنا لأن الحراك كله لم ينته، بل قد يطال جزءا من أولئك الذين سينتفضون لإقصاء زملائهم ويرفضون التخلي عنهم، وعلى ضوء أفعالهم تتحرك الداخلية من جديد.. والغرض الأساس هو قتل تلك الحركة المسماة بالتنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين وجعلِها عبرة لغيرها.. ولكن الحائط القصير كالعادة هم الدراويش والطيبون وكذا أبناء الحركة الإسلامية كأنهم العدو المشترك لطغاة هذا الكوكب وإن لم يشكلوا خطرا حقيقيا عليهم، بل كثيرا ما يكون الفعل الاحتجاجي نابعا من غيرِهم وينتقم المستبد منهم لوحدِهم! وهناك سببان لاستهدافهم أكثر مِن غيرهم:
1- أنهم لا بواكي عليهم كما يقال، يستطيع المستبد أن يطحنهم ولن يعترض الكثيرون في الداخل كما لن يعترض عليه أحد في الخارج الذي يخشى انتقادٙه. فعل ذلك عسكر مصر حين عزل الإخوان والإسلاميين عن بقية الثائرين ونكل بهم فلم يعترض عليه الغرب الديموقراطي رغم تبجحه بالدفاع عن حقوق الحيوان قبل الإنسان ومراقبتها والضغط لحمايتها، وفعلها عسكر الجزائر وغيرهم بصورة أشد، وحتى النظام السوري يستدل على سلامة وصحة نهج القصف والتدمير والتهجير بالبراميل والصواريخ بمحاربة الإرهاب ومواجهة الإسلاميين..
2- أنهم لا يملكون قوة كبيرة للضغط، وحجم التضامن معهم من خارجهم يكون قليلا لارتباط انتمائهم بتشويهات إعلامية كثيرة وحرب طويلة الأمد جعلتهم ومن يشبههم معزولين لا يتعاطف معهم إلا قليل من الناس، وصوتهم لا يكاد يُسمع في الداخل فضلا عن الخارج؛ فهم لا يملكون إعلاما ولا مؤسسات اقتصادية ومالية ولا حتى جمعيات قوية عكس بعض الأطراف السياسية الأخرى مثل اليسار وغيره التي تملك إعلاما وأحزابا وهيئات مدنية وتساندها أقلام ومنابر عدة ومسموعة في الداخل والخارج..
بل إن العامة ترضى باستهدافهم وظلمهم والتنكيل بهم لارتباط ذلك عندهم بقصة الإرهاب والتطرف وتصديقهم لتهديد هؤلاء وأمثالهم للاستقرار وسعيهم لنشر الفوضى والعمالة للخارج وما إلى ذلك.. فمجرد الإذاعة والنشر أن الإقصاء استهدف هذا الفريق سيخفف التضامن والتعاطف الشعبي كما يمكن ملاحظة ذلك من تعليقات الناس على بعض المقالات الإخبارية التي أشارت للأمر..
وينبغي الإشارة هنا إلى مسألتين:
الأولى: أن الشباب الذي تعرض للإقصاء رغم انتمائه للجماعة أو غيرها ليس ممنوعا من التوظيف بسبب ذلك الانتماء وإنما لأجل
انتمائه لتنسيقية الأساتذة ونضاله ضد سياسات الدولة في مجال التعليم، ولن يُمنع من التوظيف لو تقدم للمباراة في غير هذه السنة أو كان من غير هذا الفوج، وإنما وقع الاختيار على الإسلاميين خاصة أبناء الجماعة للأسباب المذكورة سلفا.
الثانية: أن التقسيم والعزل الإديولوجي للأساتذة أو أي حركة احتجاجية قوية هو من أساليب تشتيتها وإضعافها، وقد سعت له الداخلية منذ البداية؛ فليس استهداف أبناء الجماعة وأشباههم فقط لأنها دعمت الحركة وساندتها ماديا ومعنويا ولكونها أقوى تنظيم معارض للنظام، ولا هو بدليلٍ على أن غير المستهدفين بالإقصاء لا يحاربهم النظام. بل لقد سعت بعض الأطراف لتشويه اليساريين عند مجتمع الأساتذة لرفض تسلطهم وسيطرتهم على المجلس الوطني للتنسيقية من خلال وصفهم بالتجذر والتصعيد في الاحتجاج لأهداف سياسية، كما وصل الأمر لتبادل التهم والتراشق في مواقع التواصل بينهم وبين غيرهم خاصة المنتمين للعدالة والتنمية.. وما يحدث حاليا هو فقط مرحلة من مراحل التشتيت والتفرقة حيث لم يطل هذا الترسيب أولئك المتجذرين ربما رغبة في أن لا يتضامنوا مع زملائهم ويكتفي كل فريق بالانتصار لانتمائه وجماعته، وهكذا ينتهي ذلك التلاحم والاتحاد الفريد الذي دام قريبا من سنة ونصف..
للكلام بقية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

هذا المتصفح الذي تستعمله بهاتفك يمنع ظهور هذه الصفحة، قم بنسخ رابط هذه الصفحة في متصفح أخر مثل جوجل كروم Google Chrome أو Firefox