الغرض من اشتغال المؤسسة التشريعية في ظل أوضاع غير عادية، والقيمة الإضافية التي يمكن أن تقدمها سلطة تشريعية مقيدة بإجراءات كورونا

وجهة نظر في دستورية افتتاح الدورة التشريعية غدا

يفتتح البرلمان بمجلسيه غدا الجمعة، دورته الربيعية التي تتزامن مع اتخاذ السلطات لتدابير احترازية حدد مضامينها مرسوم بقانون تم التوافق بشأنه وفق أحكام الفصل 81 من الدستور. ولئن كان تجاهل المشرع القانوني، وضع اجراءات خاصة لتنظيم عمل البرلمان في حالة الأوبئة والكوارث، إلا أن جائحة كورونا فرضت على رجال القانون والمشتغلين بالتشريع عددا من الأسئلة الدستورية الكبرى التي تستوجب أجوبة مستعجلة نظر للطابع الاستراتيجي الذي تتحلى به تلك الموضوعات، لاسيما المرتبطة منها بضمان استمرار عمل المؤسسات الدستورية.

وبدون شك يثور سؤال مشروع حول الجدوى من عقد الدورة الربيعية في ظل هذه الجائحة، والغرض من اشتغال المؤسسة التشريعية في ظل أوضاع غير عادية، والقيمة الإضافية التي يمكن أن تقدمها سلطة تشريعية مقيدة بإجراءات احترازية تحد من وظائف الرقابة والتشريع وتقييم السياسات العمومية.

منذ البداية نعلن أن عقد الدورة الربيعية قدر دستوري لا مفر منه، ولا يمكن تعطيل عمل البرلمان بأي حال من الأحوال، إلا وفقا للاشتراطات الدستورية التي توقف عمل البرلمان بنهاية ولايته أو بحل مجلسيه أو أحدهما. وسنحاول من خلال هاته الورقة البسيطة إعادة قراءة المقتضيات الدستورية وفق تأويل يعلي من شان روح “النزعة البرلمانية” الواردة في الفصل الأول من الدستور، بما يساعد على تحقيق الطموح الدستوري، في تشييد دولة تتقاسم فيها السلطة بشكل متوازن ومتكامل ومرن مهما كانت الأوضاع والمخاطر المحذقة.

وبناء على ذلك، فان أي قراءة -للفصول الدستورية- تتوخى تقديم تأويل لاستمرار عمل البرلمان يتماشى مع منطوق وروح الدستور، ويجعل من المؤسسة التشريعية مساهما رئيسيا في مواجهة كل الوضعيات الدستورية العادية وغير العادية، لا يمكن أن تتم إلا من خلال استحضار المقتضيات الدستورية بشكل متكامل في مبادئها ومقاصدها وقيمها. وبالنظر على ذلك تتوخى الورقة ابراز سمو النزعة الدستورية البرلمانية (1)، وتحديد الوضعيات الاستثنائية التي يتوقف بموجبها عمل البرلمان (2) واظهار تلك التي يستمر فيها السير العادي للمؤسسة التشريعية رغم ما ينتاب ذلك من صعوبات (3).

1- سمو النزعة الدستورية البرلمانية

بالرجوع للحيثيات الدستورية نجد أن المشرع الدستوري انبرى منذ دستور 2011، للرفع من مكانة البرلمان داخل الهندسة الدستورية إلى سلطة دستورية منفصلة ومتعاونة وفي توازن مع باقي السلط حيث نص الفصل 1 على قيام “النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها،..”.

وانطلاقا من نص الدستوري، فقد اعلى المشرع من قيمة السيادة البرلمانية وأضفى على التمثيل البرلماني مكانة مرموقة حيث جعل الفصل 2 فقد جعل “السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها.. تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم”؛ بالإضافة إلى ما ورد في الفصل 11 على أن “الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي”؛ أكثر من ذلك واصل المشرع الدستوري دفاعه المستميث عن النزعة التمثيلية في فصـله 60 حيث نص على ان ” يتكون البرلمان من مجلسين، مجلس النواب ومجلس المستشارين؛ ويستمد أعضاؤه نيابتهم من الأمة..”

لقد اضفى المشرع الدستوري على البرلمان مكانة رفيعة وبوأه الصدارة الدستورية اتجاه السلطة التنفيذية، بل جعل هاته الأخيرة المنبثقة عنه ومستكملة شرعيتها الدستورية من تنصيبه طبقا للفصل 88 من الدستور. وبالطبع منح الدستور للسلطة التشريعية اختصاصات دائمة ومجردة لا تتوقف إلا بأوضاع دستورية واضحة ومحددة.

2- الوضعيات التي يتوقف فيها عمل البرلمان

لقد منح المشرع الدستوري للسلطة التشريعية مجموعة من الضمانات، تمكنها من مواجهة تحدي الاستمرارية في الحالات غير العادية وزمن القوة القاهرة. وهذه الضمانات لم ترد في فصل واحد، وإنما يمكن استنباطها في مواد متفرقة داخل الوثيقة الدستورية، حيث نجد أولا الضمانات الواردة في المادة 59 من الدستور المنظم لحالات الاستثناء ، وثانيا الضمانات الواردة في الفصل 74 المتعلقة بحالة الحصار التي يكون قرار تمديدها مرهون موافقة البرلمان بقانون وهو ما يعني ضمنيا استمرار عمله في حالة الحصار التي لها تفسير محدد في التجارب الدستورية المقارنة، فلا يمكن لسلطة منتهية أن توافق أو تعترض على قرار.

وحتى في حالة اشهار الحرب طبقا للفصل 99 و49 التي من شأنها تهديد السلامة الوطنية والسير العادي للمؤسسات، لم يتجرأ المشرع الدستوري على توقيف عمل البرلمان، رغم أن التجارب الدستورية المقارنة تحول السلطة إلى المؤسسة العسكرية بما يقتضيه الأمر من العمل بأحكام الطوارئ والمقتضيات العرفية. بل أن واضع الدستوري اشترط إحاطة البرلمان علما بالقرار دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى نهاية عمل هذه المؤسسة في لحظة سطوة السلطة العسكرية على التدبير المدني.

ولا يخفى على أحد، أنه اثناء الفترة الفاصلة بين الدورات حيث تعرف هاته الفترة توقفا نسبيا للبرلمان خصوصا على مستوى الرقابة والتشريع داخل الجلسات العامة مع استمرار عمل الجان وفق الفصل 80، تلجأ الحكومة الى الاستعانة بالفصل 81 الذي يسمح لها اصدار مراسيم بقوانين خلال فترة محددة، فالغاية التي قصدها المشرع الدستوري من قصر ممارسة سلطة التشريع بمراسيم بين دورتي البرلمان وعرضها على انظار الدورة التشريعية الموالية، تكمن في حماية اختصاص أصيل ودائم للبرلمان والمتمثل في صنع القانون ومراقبة عمل الحكومة، وإلا أصبح وجود السلطة التشريعية كعدمه. لهذا وضع المشرع إجراء المصادقة البعدية التي سيمكن السلطة التشريعية من الإطلاع على النصوص التي اتخذت في غيبتها، بعد عرض ما اتخذته من مراسيم بقوانين على موافقة البرلمان في أول دورة له وفق شكليات الفصل 81 من الدستور.

بل إن حرص السلطة المكلفة بوضع الدستور على عدم تعطيل عمل المؤسسة التشريعية رغم انتهاء انتدابها، ذهب إلى درجة التنصيص الدستوري خلال الاحكام الانتقالية على استمرار عمل البرلمان المنتهية ولايته إلى حين وضع النصوص القانونية التي تنظم انتخاب الهيئة التشريعية الجديد ضمانا للمرور إلى الوضع الدستوري الجديد دون وقوع صدمات أو اضطرابات أو حدوث فراغات، تمس باستقرار النظام الدستوري والسياسي وتحيد عن الطريق الدستوري وترمي مؤسسات الدولة في متاهات اللاشرعية ومخاطر اللامشروعية.

ولئن كان المشرع قد امتنع عن تعطيل عمل البرلمان في وضعيات دستورية فرضتها حالات غير عادية، إلا أنه في المقابل وضع امكانيات لإنهاء عمله السلطة التشريعية وايقاف وظائفها الدستورية سواء بحل أحد المجلسين أو كليهما، كما ورد في الفصل 96 الذي منح “للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، أن يحل بظهير المجلسين معا أو أحدهما” أو ما ورد في الفصل 104 الذي منح “لرئيس الحكومة حل مجلس النواب، بعد استشارة الملك ورئيس المجلس، ورئيس المحكمة الدستورية، بمرسوم يتخذ في مجلس وزاري.”.

فباستقراء المقاصد الدستورية أعلاه ودون المس بالقواعد والمبادئ الجوهرية الدستورية فانه لم يكتف المشرع الدستوري بتخويل البرلمان ممارسة وظائفه في الظروف العادية، بل أتاح له كذلك ممارستها في الحالات الاستثنائية -بمفهومها الواسع- التي يمكن أن تمر منها الدولة، بما يترتب عن ذلك وجود خطر محتمل يهدد السير العادي للمؤسسات الدستورية.

بناء على كل ما سبق، واحتراما للدستور، الذي ينص في فصله 6 على ان “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع… بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له”؛ وعلى مقتضيات الفصـل 37 التي تلزم جميع المواطنين والمواطنات احترام الدستور والتقيد بالقانون، فإن عقد الدورة التشريعية الربيعية في ظل الهواجس التي تطرحها جائحة كورونا مطابق للدستور وليس فيه أي خروج عن مقتضياته، وأي تأويل من شانه تعطيل عمل البرلمان بسبب توجسات الوباء يعد عمليا تمهيدا لحالات دستورية استثنائية غير منصوص عليها.

3- كيف تؤدي السلطة التشريعية وظيفتها زمن الوباء؟

ويبقى السؤال المشروع كيف يمكن للبرلمان أن يمارس اختصاصاته الدستورية في ظل أوضاع تقيد سلطته في التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية كما حددها الفصل 70 من الدستور؟

فإذا كان المشرع الدستوري قد تناسى أو لم يتصور تنظيم اوضاع غير عادية مردها الى انتشار وباء واستحكام كارثة، ولئن كانت هناك أسباب و قيود موضوعية تحد من السير الطبيعي للمؤسسة التشريعية تجنبا لانتشار العدوى، فإنها في نظرنا لا ترقى الى تعطيل ادوارها الدستورية، وفي هدا الصدد، فإن الاوضاع الاستئثنائية التي تمر بها بلدنا بمؤسساتها الدستورية تستوجب من المشرع اتخاذ تدابير من شأنها ضمان استمرار سير المؤسسة التشريعية في اداء المهام الموكولة لها دستوريا دون ان يمس ذلك بالنظام العام بمدلولاته الثلاث.

وأخذا بالاعتبار لما يتطلبه تعديل النظام الداخلي من اجراءات تشريعية معقدة تستوجب الاحالة على المحكمة الدستورية تستوجب التفكير مستقبلا، وتحقيقا للمقاصد الدستورية التي تتوخى ضمان استمرارية المؤسسات الدستورية مهما كانت الأوضاع، فليس هناك مانع من اتخاذ تدابير ظرفية بقرارات من المكتب وباتفاق مع الحكومة، من شأنها تيسير عقد الجلسة العامة خصوصا تلك المخصصة للاسئلة الموجهة لرئيس الحكومة والوزراء التي لا تتطلب نصابا للتصويت ولا تستوجب مصادرة حق شخصي، بالإضافة إلى تسهيل عقد جلسات اللجان المخصصة لدراسة المشاريع والمقترحات باتباع تقنية الاجتماع عن بعد، ناهيك عن تقليص المهلة القانونية المرتبطة بدراسة المشاريع والمقترحات خصوصا إذا كانت مرتبطة بالوضعية الوبائية واعتماد طريق المصادقة المختصرة، أو عقد اجتماعات المكتب وندوة الرؤساء عن بعد وغيرها من الاجتماعات التي تفرضها استمرار عمل آليات الرقابة البرلمانية.

ومما لا ريب فيه، أن الوظيفة التشريعية للبرلمان قد تطرح بعض الشكوك الدستورية بالنظر إلى ان التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه وفق منطوق الفصل 60 من الدستور. فلا يمكن حرمان احد أي برلماني تحت ذريعة مطالبته بعدم الحضور لأسباب صحية التزاما بمقتضيات مرسوم قانون الطوارئ فمن العبث احترام قاعدة قانونية وانتهاك قاعدة دستورية تسموها مكانة وقيمة. وهذا الأمر هو ما يحتم ابداع تدابير لتجاوز مغامرة مصادرة حق التصويت أو تفويضه بشكل غير مباشر خصوصا اتجاه القوانين التنظيمية التي تتطلب نصابا محددا اثناء التصويت عليها. وفي نظري أن الوظيفة التشريعية في زمن الوباء ينبغي ان يطالها التعطيل الجزئي خصوصا على مستوى المصادقة داخل الجلسات العامة التي تعد أعمالها اعمالا تقريرية مع استمرار النشاط التشريعي داخل اللجان التي تبقى أعمالها بمثابة اشغال تحضيرية وفق قرار سابق للمجلس الدستوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

هذا المتصفح الذي تستعمله بهاتفك يمنع ظهور هذه الصفحة، قم بنسخ رابط هذه الصفحة في متصفح أخر مثل جوجل كروم Google Chrome أو Firefox