جاء زائرا على غير ميعاد. لم أكن أعرفه ولا عرفت له اسما. 

جاء زائرا على غير ميعاد.

لم أكن أعرفه. ولا عرفت له اسما.

وجدته منزويا في إحدى الأماسي المتأخرة بالقرب من بيتي. نظر إليَّ نظرة سريعة ثم خفض عينيه كأنه يعتذر. أول ما لاحظته هو هزاله. لم يطلب شيئا بالمرة. فهمتُ أنه جائعٌ ربما وأنه لم يعتدْ بعد على التعبير عن رغبته في سد الرمق أمام الغرباء. دخلت إلى البيت. حضَّرت بسرعة ما وجدته جاهزا. وضعت الصحن على المائدة ثم خرجت أستقصي. لا زال هناك. نظر إلي مرة أخرى. وشعرت أنَّ في نظرته ما يشبه اليقين بأنني منتبهٌ إليه. عدت مرة أخرى إلى البيت. وفي يدي ما يسدُّ رمق المساء. تحاشيت أن أعطيه الأكل مباشرة. وضعته على مقربة منه ثم عدت أدراجي. وأنا أتظاهر بعدم الانتباه إليه. تلصصت عليه من النافذة. لم يتحرك. ذهبت لأنام.

في الصباح كان أول ما شد انتباهي هو غيابه وخلو الصحن من الأكل. آه. إنه أكل. اقتربت من الصحن الفارغ. لم أجد علامة تدل على أنه هو من أكل. المهم أن الصحن كما أعرفه.

في المساء التالي عدت إلى البيت متأخرا. وجدته في نفس المكان. الحقيقة أنه حاول إثارة انتباهي إلى أنه موجود. نظرت إليه. قرأت في عينيه نصيبا من العرفان. دخلت البيت. فعلت نفس الشيء. أخرجت الصحن. كانت حركاته تدل على انتظار طويل…

عوَّدني عليه وبقيت أفعل نفس الشيء كل مساء. كنت ألاحظ أنه لم يعد يتحرج من الاقتراب مني انتظارا لأكلته المسائية.

في مساء بداية الأسبوع الموالي، لم يكن هناك. توقفت برهة قبل الولوج إلي البيت كأنني أنتظر. حاولت ألا أبدو كذلك. فربما يكون مختبئا حيث يراني ولا أراه. ثم دخلت متعبا ونمت في الحال.

في الصباح لم يكن هناك. في البداية نظرت من خلف النافذة. ثم خرجت أمام الباب. كنت بلباس النوم. لم يكن هناك.

غادرت إلى مشاغلي. وعند عودتي مساءً تعمدت ألا أتأخر.

نظرت من بعيد. هل هو في مكانه المعتاد؟ تراءى لي من بعيد وأردت التأكد من أنه هو…

اقتربت أكثر. كنت مستعجلا أمري. فعلا. إنه هو…

وجدتُني أسرع الخطى. دخلتُ البيت. حضَّرت الأكل. وضعته في الصحن. وعدت من حيث أتيت. وجدته يقترب مني أكثر من أي وقت مضى. كان يبتسم ابتسامة رضى حقيقية. في هذه المرة لم يتحرج من الاقتراب. حتى حسبت أنني أسمع أنفاسه المتلاحقة… كدت أمد إليه الصحن لكنني لم أرد أن أحرجه.

وضعت الصحن في نفس المكان. تعمدتُ الوقوف على مقربة. أكل حتى شبع…

كنت سعيدا بفرحه وبالصداقة التي نمت بيننا في هدوء.

كان ذيله يرقص فرحا وكنت ممتنا له أن أثَّثَ وحدتي من غير أن يدري…

بعد عودتي إلى البيت سمعت نباحه يتعالى. اكيد انه احس بظل يحوم حول المكان وأراد أن يشعرني أنني في مأمن ما دام هو هناك. أو ربما لم يحس بشيء. هو فقط يريد أن يقول انه ممتن وانه يشكرني…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

هذا المتصفح الذي تستعمله بهاتفك يمنع ظهور هذه الصفحة، قم بنسخ رابط هذه الصفحة في متصفح أخر مثل جوجل كروم Google Chrome أو Firefox