خطير جدا الإدمان على الهاتف المحمول والمواقع الإجتماعية ، توقف الآن أو ستضيع في وهم الخيال

كيف حولتني مواقع التواصل الاجتماعي إلى شخص استهلاكي؟

أشعر أنني مطاردة، هذا هو الوصف الملائم والأدق.

في كل صباح أستيقظ لأتحسس دون وعي هاتفي المحمول بجواري كأن عقلي مبرمجاً على أنه الشيىء الأكثر أهمية على الإطلاق، أفتح عيني فأتفقد بريدي الالكتروني ورسائل الفيس بوك حتى لو لم أنتظر رسالة هامة، ببساطة طالتني اللعنة التي أصابت غالبية جيلي إن لم يكن كله، لعنة تفقّد السوشيال ميديا.

عمّ أبحث؟ لا شيئ محدّد، فقط تحرّكني رغبة لا إرادية في تصفح هاتفي عشرات المرات يومياً، أشعر دائماً أن هناك شيئ سيفوتني، أمارس حياتي بنصف عقل ونصف وعي ونصف شعور والنصف الآخر كله يقبع داخل هذه الشاشة، أسرع إلى التصفح لأضيع ساعات دون جدوى وبلاهدف، ومع أنّني مجرد مستخدمة ضمن ملايين المستخدمين و أشبه الإبرة الغارقة في “كومة قش”، تقتنصني خوارزميات الفيس بوك بكل سهولة.

هكذا أصبحت أنفق وقتاً كبيراً من يومي مع شاشة تحاصرني فيها الإعلانات من كل اتجاه، أتصفح الفيس بوك فتنهمر في وجهي عشرات الإعلانات التي تتًبع أفكاري واحتياجاتي الشرائية بكل تطفل، الآن مثلا يظهر لي هواتف محمولة ومنتجات للعناية بالأطفال لأنني قمت بالبحث عن هذه المنتجات على أحد مواقع التسوق بالأمس وهكذا لا إرادياً أتصفح أكثر وأغرق أكثر وأضيع وقتاً أطول، كيف لا وقد استهدفوا بدقة نقطة بحثي؟، أتعرض إجبارياً لعشرات الإعلانات المدفوعة لمعلنين لا أعرفهم وقد أكون لم أسمع بمنتجاتهم أو أسعى إليها من قبل، هؤلاء المعلنين الذين يلتقطون جمهورهم المستهدف ببساطة عن طريق الخيارات التي يتيحها لهم الفيس بوك لتحديد الأشخاص الذين يظهر لهم الإعلان، فيطاردوني وفقاً لعمري واهتماماتي وحالتي الاجتماعية والموضوعات التي أبحث عنها وهواياتي المفضلة وحتى المكان الذي أسكن فيه، وأخضع بشكل لا إرادي لنزعتي الاستهلاكية التي إن نجحت في تجاهلها مرة أفشل في الأخرى تحت ضغط هذه الإعلانات المهولة والمغرية.

هكذا تحوّلت إلى شخص استهلاكي أحمق يقضي ساعات طويلة يومياً يتصفح ويشاهد منتجات ربما لو لم تقتحم حياته ما كان قد بحث عنها من الأساس، والتي بكل تأكيد هي مجرد شيء تكميلي طالما لم أكن أفكّر فيها من قبل. لم يقتصر الأمر على الإعلانات الممولة، فقد وجدت نفسي إجبارياً عضوة في عشرات المجموعات على الفيس بوك التي تعرض ملابس ومنتجات نسائية بعضها أهتم به حقاً وبعضها أراه للمرة الأولى، أتجاهل بعض الوقت لكن قدمي تنزلق في النهاية وأتورط في المشاهدة، أشتري ملابس لا حاجة لي بها وأقرر تجربة منتجات جديدة لأنها معروضة بشكل مغري وساحر ولا يمكن مقاومتها، وأرفض منتجات أخرى أرى أنه من العبث التوقف أمامها لكن برغم ذلك لا أتوقف عن التصفح والمطالعة والانسياب مع آلاف الصور لآلاف المنتجات.

ومن المثير للسخرية أن الطفرة التي صنعتها منصات السوشيال ميديا في التسوق للبائع والمستهلك انقلبت علينا حرفياً فخلقت داخلنا لا إرادياً نموذج “الإنسان الذي يحاول اقتناص الفرصة “، ليس من المهم أي فرصة ولكن المهم أن تشعر أنك فزت بشيئ ما، بأنك محظوظ لشرائك هذا المنتج في فترة التخفيضات، وهذا ما تفعله كثير من مواقع التسوق التي تبيع المنتجات بتخفيضات وهمية .

في فترة ما، قررت تحميل تطبيقات مواقع التسوق الشهيرة فوجدت أن وضعي ازداد سوء وأصبحت أضيع وقتاً أطول في مطالعة عشرات المنتجات، سهولة الانتقال من قسم لآخر ومن منتج لآخر تغريني بمزيد من البحث والمطالعة فقررت محو التطبيقات فوراً. حاولت الهروب كثيراً بمنع نفسي من التوجه المباشر لتصفح الإعلانات، أو عدم استخدام السوشيال ميديا إلا عند الحاجة إليها في العمل إلا أنني وجدت إشعارات يومية تطاردني عبر هاتفي المحمول، بعضها يخبرني بخصم خمسين بالمئة إذا ذهبت إلى المطعم الفلاني، أو يدعوني لاستخدام “بروموكود” لشراء منتجات مخفضة.

على الجانب الآخر، لا أذكر عدد المرات التي تعرضت للخداع فيها واكتشفت أن المنتجات التي اشتريتها الكترونيا لا تطابق المعروضة في الإعلانات المثالية، ذات مرة اشتريت ملابس رديئة ولم أنجح في إعادتها واختفت المعلنة ولم ترد على رسائلي، ومرة أخرى دفعت اشتراك صالة ألعاب رياضية بجوار سكني بعدما ظهر لي إعلانها وأردت اقتناص فرصة الخصم الكبير على ثمن الاشتراك، وبعدما ذهبت اكتشفت أن الأجهزة لا تعمل، والطريف أنني لم أفقد الثقة في التسوق الالكتروني ولم أتوقف أبداً.

الأسوأ من ذلك، أنني تحوّلت إلى شخص الكتروني يشعر بالكسل تجاه الحياة الحقيقية ويتجنب كل ما يحتاج إلى مجهود بدني، لماذا أتفقد المحال التجارية إذا كان بإمكاني الجلوس أمام التلفاز وتصفح بعض الصور لأختار من بينها؟ لست حتى مضطرة للتحدث في الهاتف مع أحدهم، فقط ضغطة زر وأحصل على ما أريد.

لحسن الحظ ، بدأت أراقب تأثير السوشيال ميديا على حياتي بحرص وأتعامل مع الأمر بجدية، لم أستطع إغلاق حساباتي الالكترونية لكن قررت تحديد ساعات قليلة يومياً لاستخدام هاتفي المحمول، وأوقات أخرى للعمل والتواصل مع الأصدقاء الكترونياً، لا أستخدم هاتفي أثناء جلسات العائلة حتى لا أفقد إحساسي بالحياة الحقيقية، وأغلق كل مواقع السوشيال ميديا حين أستخدم الكمبيوتر للعمل أو القراءة لأحمي نفسي من التشتت، وأخيراً أدفع نفسي للانخراط في أنشطة خارجية كالسفر والرياضة والتدريبات لأتنصل من هذه اللعنة.

مقال: هدير الحضري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

هذا المتصفح الذي تستعمله بهاتفك يمنع ظهور هذه الصفحة، قم بنسخ رابط هذه الصفحة في متصفح أخر مثل جوجل كروم Google Chrome أو Firefox