عودة إلـى مـلـف الأساتــذة الـمـتـدربـيـن / سـمـيـر مـومــنـــي


=================================
على سبيل ما قلّ ودلّ، تندرج هذه المقالة في ما يمكن توصيفه بالمسار الانتكاسي الّذي عرفه ملفّ الأساتذة المتدرّبين، بدءا ببوثقة الشّرارة الّتي عرفها الملفّ، مرورا بتوقيع محضر اتفاق مع الدولة 13 أبريل 2016 ، الذي نصّ على توظيف الفوج كاملا، وصولا إلى التّصدع الممنهج الذي عرفه الملف جراء ترسيب 158 أستاذ / ذة ، والاحتفاظ بقرار نجاحهم بيد وزارة الدّاخلية.
فكثيرة هي الأسئلة المحرجة الّتي تبدو جد روتينيّة ومتجاوزة، من فرط تداولها وانطراحها إذا ما أريد الحديث عن أزمة التّعليم بالمغرب، مما يعني في الأساس تورطا في حقل إشكالي هو من الشّساعة بمكان، فإنّ أّهمّ ما يميّز المنظومة التعليميّة المغربيّة، هو تحطيمها للأرقام في مجال مخطّطات الإصلاح و لا إصلاح.
في هذا المنحى تفاءل البعض، وربما قاعدة مهمة من الشباب الحاملي للشهادات، بما عرف بزغرودة مباريات المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، فسعيا منها لكسب استراتيجية جديدة في التوظيف بالقطاع، ركزت الدولة على مبدأ فصل التكوين عن التوظيف، كفلسفة جديدة حجتها في ذلك نشدان الجودة والكفاءة وتكافئ الفرص، أمر لم يستسغه الأساتذة المتدربين فانطلقت شرارة النضال في جل المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين.
طبعا لا أحد يجادل في قوة الإبهار الذي عرفه المسار النضالي للأساتذة المتدربين، مبادئ مشروعة وأسلوب حضاري أصيل، هكذا كانت احتجاجاتهم، ولكن ويا لتعاسة الدولة، قدمت إجابات خاطئة، وفضلت المناورة والتحايل والمكر، ولم تحسن استثمار الشعارات التي رفعتها وهي الإصلاح الاستراتيجي للمنظومة التعليمية. فاستدعت لذلك كل الوسائل، وانتصرت لأصالتها، وانتهجت أساليب رديئة، وأدارت حملة إعلامية شرسة ضدا على الأساتذة المتدربين، فناورت بتهديدات، وتحايلت بخطوات استيباقية ذرا للرماد في العيون. فرفعت عصا القمع، وأطلقت ذئاب منابر إعلامها تهديدا وترهيبا ووعيدا. لتنهي هذا الوعيد بالتملص من تنفيذ محضر اتفاق 13 أبريل 2016، الذي ينص على توظيف الفوج كاملا، حيث سيتم الزج ب 158 أستاذ في لائحة الراسبين / المرسبين انتقاما، مبررها العجائبي و الغرائبي هو كسل هؤلاء الأساتذة .
هذه الانتقامية ضد ملفّ الأساتذة المتدرّبين، سببه مساهمة هذا الملف في إيقاظ الفعل النّضاليّ من داخل مشهد الحركات الاحتجاجيّة بالمغرب، فلا نشك من أنه بات بمثابة مدرسة للحركات الاحتجاجيّة، بعدما أصبح الشّارع المغربيّ يعيش الخواء والرّكوض، ويبني آماله الحلمية على سياسة الشّعارات والعناوين العريضة والشّفهيات التي ينقلها الإعلام الهابط.
إن هذه الرؤية الانتقامية للدّولة من ملف الأساتذة المتدرّبين، مسألة لم تكن أكثر من تصفية حسابات فعلية لكلّ فاضل مبدئي يدندن في أذنيها، ولأن ما تنشغل به حاليّا هو الجانب الأمني، فهي تعي جيّدا أنّ الحالة الاقتصادية والاجتماعيّة للمغاربة تعيش موتا و ركودا، نتيجة تدبيرها الأحادي لجميع الملفّات والقضايا، متوسلة بشعارات منمّقة و بتعابير الحيل و الالتواء التي تنضح بها الخطابات الرسمية.
ليس مستغربا أن يكون ردّ فعل الدّولة بهذه الانتقامية المتخلفة من ملف الأساتذة المتدربين، فهو دليل قاطع على أنّ الملف شكّل إحراجا كبيرا لها، فرغم التّهديدات والهزّات الّتي مرّ بها نضال الأساتذة المتدربين، كانت دائما تنحني لتمرّ عاصفة التّهديدات ثمّ تتقوّى من جديد، و بالتّالي فرهان الدولة هو الانتقام بترسيب فئة معينة، واللعب على وتر الانتماء الإيديولوجي لتكسير فكرة النّضال مستقبلا، عبر التفكيك التدريجي للتنسيقية الوطنية بخلخلتها من الداخل، وصولا إلى إقبارها نهائيا، بعدما ظلت إطارا يجمع الأساتذة المتدربين بكل أطيافهم ومشاربهم.
تلك بالتأكيد سلسلة من السيناريوهات، تكشف تخبط الدولة، وتظهر اهتزاز سياستها وجدارتها في مسار الخطأ، وعدم إعطاء إجابات شافية عن الإشكال الحقيقي الذي يعيشه قطاع التعليم عامة وملف الأساتذة المرسبين خاصة. إنه لإشكال كبير وعميق يواجه المنظومة التعليمية، سببه الصمت عن الحق اقتضابا، أو جهلا، أو محاباة سياسية، أو إيديولوجية، من جراء التدبير الأحادي، واحتكار القرارات والمناورة، وكذا مزج الإصلاح بثقافة الانتقام والإقصاء، الذي سيظل خلط وغلط، لا يقبله المنطق، ولا يمكن أن تحقق للموضوعية شرطها الإنحيادي، فعدم إعطاء إجابات شافية وصحيحة لملف الأساتذة المتدربين المرسبين، دليل على كون الملف ظل وسيظل علقة في حلق الدولة، وحلحلته رهين لزاما باستمرار النضال بأبعاده المتعددة و المختلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

هذا المتصفح الذي تستعمله بهاتفك يمنع ظهور هذه الصفحة، قم بنسخ رابط هذه الصفحة في متصفح أخر مثل جوجل كروم Google Chrome أو Firefox